
تظهر في الحب الرومانسي، والصداقة، والأسرة، وحتى في مكان العمل — في أي مكان توجد فيه علاقة عاطفية قوية مع الخوف من فقدان شخص مهم أو مكانة قيمة. لم يعد علم النفس الحديث ينظر إلى الغيرة على أنها «رذيلة» بحتة. اليوم، تُعد ظاهرة معقدة تجتمع فيها عوامل بيولوجية ومعرفية واجتماعية.
ما هي الغيرة: من التطور إلى العصر الحديث
وفقًا لأبحاث نُشرت في PubMed، تعد الغيرة عاطفة تكيفية ظهرت كآلية تطورية لحماية العلاقات والنسل. عند أسلافنا، ساعدت الغيرة في الحفاظ على إخلاص الشريك ومنع فقدان الموارد الضرورية للبقاء.
لكن في المجتمع المعاصر تغير السياق. ما كان يومًا وظيفة وقائية أصبح اليوم غالبًا يقوض الثقة ويؤذي العلاقات. تحدد الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) الغيرة بأنها «رد فعل عاطفي على تهديد مدرك للعلاقة، مصحوب بالخوف والغضب والقلق».
هل يمكن التخلص من الغيرة تمامًا؟
من وجهة نظر علمية — لا. الغيرة عاطفة طبيعية مثل الخوف أو الحزن. محاولة القضاء عليها كليًا تشبه محاولة التوقف عن الشعور بالألم. تُظهر الدراسات أن الغيرة المعتدلة قد تؤدي حتى دورًا وقائيًا: تنبيه الشخص إلى حاجته للأمان والاهتمام داخل العلاقة.
ومع ذلك، من المهم التفريق بين الغيرة البنّاءة والغيرة المدمرة:
| نوع الغيرة | السمات المميزة | النتائج |
|---|---|---|
| البنّاءة | الوعي بالمشاعر الذاتية، الرغبة في الحوار، العمل على بناء الثقة | تقوية العلاقة، زيادة التفاهم المتبادل |
| المدمرة | السيطرة، الشك المفرط، العدوانية، الأفكار الوسواسية | النزاعات، الإرهاق العاطفي، انهيار العلاقة |
الجذور النفسية للغيرة
يرى علم النفس المعاصر الغيرة ليست ظاهرة مستقلة، بل عرضًا لصراعات داخلية أعمق. وفقًا للدراسات، تشمل الأسباب الرئيسية:
- انخفاض تقدير الذات والشعور بالنقص؛
- تجارب مؤلمة في علاقات سابقة؛
- الخوف من الوحدة أو الرفض؛
- الاعتماد العاطفي على الشريك؛
- غياب الثقة الأساسية التي تكونت في الطفولة.
في بعض الحالات، تتفاقم الغيرة بسبب سمات شخصية معينة أو اضطرابات القلق. على سبيل المثال، قد ترتبط الشكوك المفرطة بميول وسواسية قهرية أو قلق مرتفع، كما أشارت إليه بعض الأبحاث.
كيف نتعايش مع الغيرة دون تدمير العلاقة
1. الاعتراف بالمشاعر
الخطوة الأولى هي إدراك مشاعرك دون إنكارها. يؤكد علماء النفس أن مجرد تسمية العاطفة غالبًا ما يقلل من شدتها. بدلًا من قول «لا يجب أن أغار»، جرب أن تقول لنفسك: «أشعر بالغيرة الآن، وهذا أمر طبيعي، لكن يمكنني التحكم في رد فعلي تجاهها».
2. الحوار المفتوح مع الشريك
يساعد الحديث الصادق دون اتهامات على تجنب سوء الفهم. تُظهر أبحاث APA أن الأزواج الذين يناقشون مشاعرهم بصراحة يواجهون غيرة مزمنة أقل بكثير.
3. العمل على تقدير الذات
كلما ارتفع مستوى الثقة بالنفس، قلّ احتمال الغيرة المرضية. الممارسات الذاتية، والتقنيات المعرفية السلوكية، وتنمية الاهتمامات الشخصية كلها تساعد على تعزيز الشعور بالقيمة الذاتية.
4. التحكم في الأفكار
تُعلم التقنيات المعرفية الموصوفة في منشورات PubMed كيفية التفريق بين الحقائق والتفسيرات. سؤال نفسك «هل أعرف هذا بالتأكيد أم أنني أفترض فقط؟» يساعد على خفض القلق ومنع الانجراف إلى سيناريوهات سلبية متخيلة.
متى يجب طلب المساعدة المتخصصة
إذا أصبحت الغيرة وسواسية، مصحوبة بتفتيش الهاتف، التجسس أو سلوكيات عدوانية — فهذه إشارة مقلقة. في مثل هذه الحالات، يُنصح باستشارة معالج نفسي. يمكن للمتخصص مساعدتك على اكتشاف الأسباب العميقة وتطوير استراتيجيات صحية للتعامل مع هذه المشاعر.
الإجابة: العلاج لا «يزيل» الغيرة، بل يساعد على فهم أسبابها، التعايش معها، وعدم السماح لها بالتحكم في السلوك.
سؤال: ماذا أفعل إذا كان الشريك هو من يغار؟
الإجابة: من المهم وضع حدود واضحة، عدم الدفاع عن النفس باستمرار، واقتراح العمل معًا على بناء الثقة — وربما بمساعدة متخصص.
العيش بدون غيرة مدمرة ممكن
من غير المحتمل أن نعيش تمامًا بدون غيرة — لكن يمكننا تعلم العيش معها بوعي. عندما يتقبل الإنسان مشاعره، يحترم حدوده الشخصية، ويستطيع التعبير عن احتياجاته بصراحة، تتوقف الغيرة عن كونها عدوًا وتصبح إشارة للنمو الشخصي. الوعي والنضج العاطفي هما الطريق نحو علاقات متناغمة مبنية على الثقة والاحترام بدلًا من الخوف والشك.
تنويه: هذا المحتوى يهدف إلى التوعية والتثقيف فقط ولا يغني عن استشارة طبيب نفسي أو معالج مختص. إذا كنت تعاني من أعراض قلق شديدة أو أفكار وسواسية مستمرة، يُرجى اللجوء إلى متخصص مؤهل.