ما هي الغيرة: عاطفة، غريزة أم بناء اجتماعي؟

الغيرة واحدة من أقوى المشاعر البشرية وأكثرها تناقضًا

قد تدمّر العلاقات، وتصبح مصدر ألم وعدم ثقة، وفي الوقت ذاته غالبًا ما تُنظر إليها كدليل على الحب والارتباط. لماذا نشعر بالغيرة؟ هل هي غريزة طبيعية متأصلة بيولوجيًا، أم عاطفة أساسية، أم نتاج التربية والمعايير الاجتماعية؟ دعونا نحاول فهم ذلك بالاستناد إلى معطيات علم النفس، وعلم الأعصاب، وعلم الاجتماع.

الغيرة كعاطفة: الجذور البيولوجية

من منظور علم النفس، تُصنَّف الغيرة ضمن العواطف المركبة — أي تلك التي تجمع مجموعة من المشاعر: خوف الفقدان، الغضب، الحزن، الخجل، انعدام الأمان. تُظهر الدراسات أن الغيرة تُفعّل مناطق الدماغ نفسها التي تُفعَّل عند الشعور بالألم الجسدي، وخاصة القشرة الجزيرية والقشرة الحزامية الأمامية (PubMed).

يفترض علماء الأعصاب أن الغيرة مرتبطة تطوريًا بآليات البقاء: فقد ساعدت أسلافنا على حماية الشريك والموارد. غالبًا ما يشعر الرجال بغيرة أقوى تجاه الخيانة الجنسية المحتملة التي تهدد النسل الجيني، بينما تميل النساء إلى الغيرة الأقوى تجاه الخيانة العاطفية التي تعرّض الدعم العاطفي للخطر (APA).

مثال من الحياة اليومية: لاحظت ليلى أن زوجها بدأ يراسل زميلة عمل بشكل متكرر. لم ترَ دلائل واضحة على مغازلة، لكنها شعرت بالقلق والانزعاج. بعد حوار صريح، تبيّن أن رد فعلها نابع من خوف داخلي من أن تصبح غير مهمة، وليس من دليل حقيقي على الخيانة. يوضح هذا المثال أن الغيرة غالبًا ما ترتبط بتجاربنا الداخلية وانعدام الأمان أكثر من سلوك الطرف الآخر.

الغيرة كغريزة: إرث التطور

ترى علم النفس التطوري الغيرة كآلية تكيفية تحمي الارتباط الزوجي والنسل. تُلاحَظ سلوكيات مشابهة للغيرة لدى الحيوانات أيضًا: فالكلاب، على سبيل المثال، تُظهر علامات غيرة واضحة عندما يولي صاحبها انتباهًا لكلب آخر (Scientific American).

ومع ذلك، فإن الطابع الغريزي للغيرة لا يعني أنها حتمية. تتيح الثقافة الحديثة والنمو الشخصي تنظيم هذه العاطفة بشكل واعٍ دون أن تُلحق ضررًا بالعلاقات.

نوع الغيرة السمة الأساسية مظاهرها الشائعة
غريزية تقوم على خوف فقدان الشريك كمورد قيّم الشك، المراقبة، العدوانية
عاطفية تنشأ من انعدام الأمان وخوف عدم الحب الحزن، القلق، الألم العاطفي
اجتماعية تتشكل تحت تأثير المعايير والتوقعات الاجتماعية المقارنة بالآخرين، الشعور بالخجل، السعي للمكانة

الغيرة كبناء اجتماعي

يتجه علماء النفس وعلماء الاجتماع المعاصرون بشكل متزايد إلى اعتبار الغيرة ظاهرة مشكَّلة ثقافيًا. تختلف مظاهرها وقبولها من مجتمع لآخر: في بعض الثقافات تُعتبر أمرًا طبيعيًا، وفي أخرى تُعدّ ضعفًا. فعلى سبيل المثال، قد تُنظر الغيرة المعلنة في بعض الثقافات الشرقية إلى أنها عدم احترام للشريك، بينما في كثير من المجتمعات الغربية تُفسَّر كدليل على صدق المشاعر (Mayo Clinic).

تلعب الروايات الاجتماعية دورًا كبيرًا. نُربَّى على فكرة أن «من يحب يغار»، وتُعزز هذه الفكرة الأفلام والكتب والأغاني. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تُعتبر الغيرة جزءًا لا يتجزأ من الحب، بينما في الواقع هي أقرب إلى إشارة على انعدام الأمان الداخلي أو اختلال الثقة.

رأي الكاتب: الغيرة ليست دليلًا على الحب، بل مؤشر على الخوف من فقدان الارتباط. في العلاقات الصحية، يمكن أن تكون الغيرة إشارة مفيدة تدعو إلى مناقشة الحدود والاحتياجات، وليست مبررًا للسيطرة أو الإيذاء. الأساس هو التمييز بين الغيرة البنّاءة التي تشجع الحوار، والغيرة المدمرة التي تؤدي إلى المراقبة والعدوان.

الآليات النفسية وراء الغيرة

تنشأ الغيرة غالبًا من تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية: انخفاض تقدير الذات، خوف الهجر، وإسقاط تجارب مؤلمة سابقة. قد يتوقع الشخص الذي تعرض للخيانة سابقًا تكرار السيناريو دون وعي، حتى لو كانت العلاقة الحالية سليمة.

تشير الملاحظات السريرية إلى أن الغيرة المرضية قد ترتبط بأنماط وسواسية قهرية أو أفكار وهمية، وغالبًا ما تحتاج إلى دعم علاجي متخصص.

كيف نتعامل مع الغيرة بطريقة بنّاءة

يقترح علماء النفس عدة استراتيجيات مدعومة للتعامل مع الغيرة:

  • الوعي الذاتي: التعرف على المشاعر وفصل الحقائق عن التخيلات.
  • الحوار المفتوح مع الشريك: مناقشة المخاوف بصراحة وبدون اتهام.
  • تعزيز تقدير الذات: بناء شعور بالقيمة الذاتية مستقل عن حالة العلاقة.
  • العلاج النفسي: العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج الجشطالتي يساعدان على معالجة الجذور العميقة للغيرة.
سؤال: هل يمكن التخلص من الغيرة نهائيًا؟
جواب: من الصعب القضاء عليها تمامًا لأنها عاطفة طبيعية لها جذور تطورية، لكن يمكن تعلّم التحكم بها واستخدامها كإشارة للتأمل الذاتي.

سؤال: لماذا تشتد الغيرة أحيانًا مع التقدم في العمر؟
جواب: غالبًا ما يتراكم مع السنين خبرة الخسارات وزيادة القلق من الوحدة، مما يجعل الشخص أكثر حساسية لأي تهديد محتمل، خاصة عند انخفاض تقدير الذات.

سؤال: هل يمكن أن تكون الغيرة «صحية»؟
جواب: نعم، عندما تظهر كاهتمام ورعاية دون تحول إلى سيطرة أو عدوانية. الغيرة الصحية تحترم حرية الشريك وتُستخدم للتعبير عن الحاجة إلى الطمأنة أو توضيح الحدود.

متى تصبح الغيرة خطيرة؟

عندما تدفع الغيرة إلى العدوانية، عزل الشريك، المراقبة المستمرة، التهديدات أو الابتزاز العاطفي، فإنها تتحول إلى سلوك سام يشير إلى مشكلات أعمق شخصية أو علاقاتية. في مثل هذه الحالات، يُنصح باللجوء إلى معالج نفسي أو مستشار علاقات متخصص.

كيف تنظر إلى الغيرة — هل تعتبرها دليل حب أم مصدر ألم؟
كيف تتفاعل عادة عندما تشعر أن أحدًا لا يثق بك؟
ما الذي تود تغييره في طريقة تعاملك مع الغيرة؟

الخلاصة

الغيرة ليست مجرد عاطفة بسيطة، بل ظاهرة نفسية-اجتماعية معقدة لها جذور بيولوجية عميقة، وتتشكل بقوة من التجارب الشخصية والثقافة والمعتقدات المكتسبة. فهم طبيعتها يساعدنا على عدم الاستسلام لتأثيرها المدمر، بل تحويلها إلى فرصة لبناء ثقة أكبر، ونضج عاطفي، وعلاقات أكثر صحة.


تنويه: هذا المحتوى معلوماتي بحت ولا يحل محل استشارة متخصص. إذا كنت تعاني من غيرة شديدة أو مستمرة تسبب ضيقًا كبيرًا، يُرجى استشارة طبيب نفسي أو معالج نفسي مؤهل.

شارك قصتك

أخبرنا عن تجربتك المتعلقة بهذا الموضوع.

مقالات موصى بها